مجمع البحوث الاسلامية
797
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقد زعم ابن دريد أنّ البيطار مشتقّ من البطر ، فقال : « البطر : الشّقّ في جلد أو غيره ، بطرت الجرح أبطره وأبطره بطرا ، وهو أصل البيطار » . ونسج على منواله من تلاه فجعله أصلا ، حتّى حدا ذلك ابن فارس على القول : « الباء والطّاء والرّاء أصل واحد وهو الشّقّ » ، وهو مولّد كما رأيت . الاستعمال القرآنيّ جاءت هذه المادّة مرّتين مصدرا وفعلا ماضيا ، في سورة مكّيّة وأخرى مدنيّة : 1 - وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا القصص : 58 2 - وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ الأنفال : 47 يلاحظ أوّلا : أنّ سياق الآيتين ذمّ لأقوام أفرطوا في الأشر والغفلة ، وانحرفوا عن جادّة الحقّ وتجاوزوا الحقّ ، ولم يؤدّوا حقّ النّعمة . ولم يأت البطر في القرآن إلّا ذمّا ، وهو في الأصل صفة ذمّ كما سبق . ثانيا : جاء الإخبار عن تلك الأقوام عبرة في سورة القصص كنتيجة لأعمالهم ، كأنّه بيّن تعالى قانونا في المجتمع الإنسانيّ بدون أمر أو نهي ؛ إذ لم تكن حينئذ في مكّة أرضيّة للأمر والنّهي ، إلّا أنّه جاء في سورة الأنفال المدنيّة - والمدينة موطن التّشريع - بسياق النّهي . ثالثا : جاء في الأولى بَطِرَتْ مَعِيشَتَها بنصب مَعِيشَتَها والضّمير يرجع إلى القرية ، إمّا مفعولا للفعل ، لأنّه بمعنى « أبطرت » أو ظرف منصوب بنزع الخافض ، أي في معيشتها ، أو ذكرت المعيشة تفسيرا للفاعل ، لأنّها الفاعل في الأصل ، فهو كقوله : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ، إلى غيرها ممّا قيل فيها ، لاحظ النّصوص . رابعا : أنّ ( بطرا ) في الثّانية مصدر في موضع الحال ، أو مفعول لأجله ، وهو الأقرب ، وعطف عليه رِئاءَ النَّاسِ ، والمعنى خرجوا مفرطين في الطّرب ومفتخرين على النّاس ، صادّين عن سبيل اللّه . وليس فيه معنى كفران النّعمة ، وإن استلزمه . وأمّا البطر في الأولى فقد فسّر بكفران النّعمة من أجل ذكر مَعِيشَتَها ، وإلّا فالإفراط في الطّرب محتمل فيه أيضا . خامسا : هناك من فسّر البطر بالأشر ، ولا ريب في وجود العلاقة بينهما ، كوجودها بينهما وبين الطّرب ، وقد بيّنّا ذلك في « أش ر » فلاحظ . والعجيب أنّ « الأشر » جاء مرّتين في القرآن كالبطر .